الأربعاء، 14 أبريل 2010

لماذا لا نؤمن بالخلق من العدم...!!!


لماذا لانؤمن بالخلق من العدم؟




مرحباً

قضية الخلق من العدم هي احدى اشهر واكثر المواضيع التي يطرحها المتكلمون وبقية


ادعياء الفلسفة، فهم يرون ان الاله او مهما كان اسمه خلق العالم من لاشيء !

نريد في هذا الموضوع ان نوضح بعض الحجج التي تبين السبب الذي يجعلنا لانؤمن بقضية


الخلق وقضية حدوث العالم بعد ان لم يكن شيئاً.

كل حادث زماني مسبوق بقوة ومادة

فكرة المتكلمين عن الخلق هي ان العالم لم يكن ثم كان ! وان الله خلق هذا العالم واخرجه الى


الوجود باعتبار انه على كل شيء قدير ...الخ. فالعالم بناءاً على كلامهم حادث زماني بمعنى


ان فكرة الخلق تتضمن ان يكون العالم حادث بالحدوث الزماني، فالعالم لم يكن موجوداً في


زمان ما ثم وجد بعدها.

الان دعونا نتصور ان كلام المتكلمين كان صحيحاً، دعونا نتصور ان العالم لم يكن.... ولم


يكن هناك اي شيء مهما كان... لا انسان ولا سماء ولا ارض ولا اي شيء سوى الاله


المزعوم وجوده. ومن ثم هذا الالهة قرر ان يخلق العالم في لحظة زمنية معينة بطريقة كن


فيكون العالم بعدها في غمضة عين او في ستة ايام او في ملايين السنين ! لايهمنا الفترة المهم


ان مادة العالم لم تكن موجودة ثم وجدت.

الان اطلب من القارئ التركيز جيداً

لما لم يكن هناك مادة او اي شيء قبل الخلق فان نسبة فعل الخلق الى كل اللحاظ الزمانية


تكون متساوية، معنى هذا الكلام هو انه لايوجد ميـّز يميز هذه اللحظة الزمانية حيث الخلق


عن التي تليها عن التي سبقتها فمادام لايوجد مادة تتميز بها لحاظ الزمان قبل الخلق فان كل


اللحاظ الزمانية تكون متشابهة وسيكون نسبة الفعل الى كل منها متساوياً، ولما لم يكن هناك


مخصص لصدور فعل الخلق في زمن خاص فانه من المستحيل ان يتحقق !

يمكننا التعبير عن هذا البرهان الفلسفي باسلوب ابسط فنقول لماذا خلق الله العالم في هذه


اللحظة ولم يخلقه في اللحظة السابقة او اللاحقة؟ لماذا اختار هذه اللحظة بالذات؟ هل هناك


مايميز هذه اللحظة عن غيرها؟ لابد ان تكون هذه اللحظة مميزة بحيث ان جهة التميز تصبح


مثاراً لصدور فعل الخلق عندها... ولكن لما كان المفروض هو ان العالم معدوم ولايوجد اي


شيء سوى الله فانه لايوجد مميز لهذه اللحظة عن غيرها.

يعني كان من الممكن ان يكون فعل الخلق قد حدث في هذه اللحظة او التي قبلها او التي بعدها


وهكذا ولما كان الامر على هذا الحال من تساوي نسبة الفعل الى كل لحاظ الزمان فان الثابت


عندنا انه لايجوز الترجح بلا مرجح ففعل الخلق الحادث في هذه اللحظة الغير مخصصة بما


يميزها عن غيرها هو ترجح بلا مرجح والترجح بلا مرجح محال عقلي.

اذن كل حادث زماني لابد ان يكون مسبوق بصورة معينة من المادة بحيث تكون لهذه المادة


القوة (القابلية) على التلبس بالصورة الثانية وهكذا تكون المادة والقوة على التحول الى الشكل


الجديد هي المرجح لصدور الحدث في هذه اللحظة الزمنية، على سبيل المثال بيضة الدجاجة


فيها القوة على التحول الى دجاجة فالدجاجة شيء حادث وهذا الشيء الحادث مسبوق بمادة


هي البيضة التي لها القابلية على التحول الى دجاجة.



من عجائب الامور ان البعض يجيب على هذا الاشكال بطريقة مضحكة فعندما تقول له لماذا


خلق الله العالم في هذه اللحظة دون غيرها؟ فانه يجيبك لانه لو خلقها في غيرها لكنت سالت


نفس السؤال وهكذا !


يعني هو يعترف انه لايوجد مايميز لحاظ الزمان عن بعضه ومع هذا يصر على صدق


صدور الفعل بهذه الطريقة ضارباً بالمفاهيم العقلية عرض الحائط !



نحن في هذا الموضوع لانريد ان نناقش اراء شبابية او اراء مسفسطين بل نريد ان نناقش


اعتراضات فلسفية فقط.

جواب القديس اوغسطين



احد اهم الاعتراضات وجاهة هو ماجاء به القديس اوغسطين عن الاشكال المتقدم فهو رآى


ان لب الاشكال قائم على افتراض ازلية الزمان او ان هناك زمان قبل خلق العالم فحتى


يتخلص من الاشكال قال ان الزمان نفسه حادث له بداية وان بداية الزمان هي نفسها بداية


العالم.



ومما يستحق الاشارة اليه هو ان البعض سمع بنظرية الانفجار العظيم وكيف انها تقول بان


للزمان بداية فرآى في هذا الجواب فتحاً مبيناً ونصراً عظيماً وتأييداً علمياً لكلام اوغسطين !



رد جواب القديس اوغسطين



هذا رد سهل جداً على كلام اوغسطين علماً انه بالامكان الرد عليه بطرق مختلفة.


نقول ان كلام اوغسطين يلزم منه التنافي، لان تحت فرض صحة كلامه (ارجو الانتباه


والتركيز جيداً) فان الزمان نفسه سيكون حادث زماني لانه لم يكن هناك زمان قبل خلق


العالم ثم كان هناك زمان بعد خلق العالم فالزمان سيكون حادث زماني.




طيب قلنا ان الحادث الزماني هو ما كان مسبوقاً بعدم في زمان سابق على وجوده ... فحتى


يكون الزمان حادث لابد ان يكون هناك زمان لم يكن فيه الزمان موجوداً !!!!! اي انه لابد


ان يكون عندنا زمان لا زمان فيه ! وهذا تنافي اذ انه فرض وجود وعدم وجود الزمان !


فكلام القديس اوغسطين محال !



بقي ان نرد على المهرجين من انصاف المتعلمين من قراء نظرية الانفجار العظيم.



يجب ان يعلم القارئ انه من الناحية الفلسفية هناك فرق بين الزمان وبين الزمان المطلق،


فالزمان قابل للتقسيم الى وحدات مثل الدقيقة والساعة واليوم والشهر والسنة وكل من هذه


التقسيمات لها بداية ولها نهاية فاليوم مثلاً له بداية زمنية هي الساعة صفر وله نهاية زمنية


هي الساعة 24 وحينما نقول ان اليوم له بداية فهل هذا يعني انه لم يكن هناك زمن قبل هذا


اليوم؟ او انه لن يكن هناك زمن غداً؟



هذه البداية النهاية هي بداية ونهاية منسوبة للتقسيم المجازي الذي قسمنا الزمان اليه ولكن اذا


نظرنا الى الزمان بلا تقسيمات فاننا سنراه كماً متصلاً يرتبط فيه الماضي بالحاضر


بالمستقبل بلا توقف وانقطاع فكل لحظة زمنية تكون مرتبطة بما قبلها ومرتبطة بما بعدها


مثل السلسلة الفولاذية بلا انقطاع ولا توقف وهذه السلسلة التي لابداية لها ولانهاية هي


مانسميه بالزمان المطلق.



نعود الان الى نظرية الانفجار العظيم فنقول ان البداية الزمانية التي تتكلم عنها النظرية


ليست من نمط الزمان المطلق بل هي بداية للزمان فقط مثلما ان اليوم له بداية والشهر والسنة


... ان لحظة الانفجار العظيم لاتعدو ان تكون اقدم لحظة معروفة لنا في سلسلة تطور الكون


المستمر ومجمل البحث الحالي هو حول وضع النظريات لما حصل قبل الانفجار العظيم


والنظريات الحالية تشير كلها الى ازل الزمان وازل العالم معها وان سبب تأخر هذه


النظريات هو عدم وجود نظرية تثاقل كمي مكتملة ولكن نحن لسنا في الظلام تماماً فهناك


الكثير من النظريات التي تخبرك بما كان موجود قبل الانفجار العظيم ... ولكن هذا موضوع اخر.

السبت، 10 أبريل 2010

الرد على كذبة انشقاق القمر

الإعجاز

إكتشاف ناسا لشقوق القمر


الرد :

بدأت القصة بادعاء عالم لمع نجمه في زمن الانحطاط العربي .... اسمه زغلول النجار .... زغلولنا هذا ادعى أن برنامجا في البي بي سي استضاف ثلاثة علماء من وكالة ناسا للفضاء (لا أحد غير حضرته يعرف أسماءهم) و سأل المذيع هؤلاء العلماء عن المبالغ الباهظة التي تصرف في رحلات الفضاء ان كانت تبذيرا ام لا ... أحد العلماء حسب زغلولنا اجابه أنهم اكتشفوا حزاما من الصخور المتحولة يخترق القمر الى نصفه و يقطعه الى نصفين مما يدل على انقسامه الى جزءين و اعادة لحمه من جديد ... الادعاء قاله ايضا في برنامج بلا حدود بفضائية الجزيرة ... و انتشر الخبر كالنار في الهشيم !!!!!!!!!!!!!!
بعض المشاهدين اتصلوا بوكالة ناسا استفسارا عن صحة هذا الخبر فكذبته الوكالة جملة و تفصيلا ... و استمر مسلسل المهازل فلا أثر لبرنامج البي بي سي المزعوم و كل القصة مجرد استهتار بعقل المشاهدين ...
طبعا زغلولنا الكذاب و بعد أن علم أن الطبخة قد خربت و افتضح أمره فضل أن يلعب بأسلوب جديد فحذف قصة الصخور المتحولة و فضل أن يستخدم شقوق القمرLunar Rilles المعروفة لدى علماء الفلك منذ مئتي عام ... مع اضافة بعض التوابل والبهارات لطبخته فادعى ان التاريخ الصيني و الهندي القديم قد دون حادثة الانشقاق ...

أولا : حقيقة شقوق القمرعلميا


شقوق القمر او Lunar Rilles تم اكتشافها منذ ما يزيد عن مائتي عام و هي ثلاثة انواع:
- sinuous rilles
- arcuate rilles
- straight rilles

النوع الاخير هو ما يعرف بالشقوق المستقيمة لانه تنتمي اليها Ariadaeus Rille وهي اكبر واطول شقوق القمر واكثرها استقامة ... هذا الشق لا ياخذ القمر باكمله ولا هو غائر الى عمق القمر حتى !!! بل هو مجرد شق سطحي يستمر طوله الى ثلاثمائة كيلومتر فقط !!!!!!!!!... وعرض هذا الشق يتراوح بين ثلاثة وخمسة كيلومترات ولا يزيد عمقه في اعمق مناطقه عن ثمانمائة متر ... وتفسير تكون هذه الشقوق هو على حسب انواعها ... فبعضها نتج عن تدفق الحمم البركانية او اللافا Lava على سطح القمر في بداية تكونه مما كون اخاديد ووديان ومرتفعات ونوع اخر نتج عن ما يسمى بانابيب اللافا حيث كانت اللافا تتدفق في انفاق اذابتها اللافا في الصخور القديمة تحت سطح التربة ثم جفت تلك الانابيب مما سبب هبوط وانهيار سطح تربة القمر فوق تلك الانابيب التي اتخذت شكلها الحالي ... اما النوع الثالث فناتج عن فوالق وصدوع في قشرة القمر لا تختلف عن الفوالق والصدوع الزلزالية على الكرة الارضية او هي ناتجة عن الحركة التكتونية او بالاصح الايزو ستاتيكية لقشرة القمر لان القمر ليست له طبقات تكتونية كالارض ...

العجيب أن في الغرب من المخرفين من ادعوا بان تلك الشقوق ما هي الا طرق انشأها سكان الفضاء على القمر لتسهل انتقالهم على سطحه ... !!!!!!!!!
هذا و توجد شقوق مماثلة على سطح المريخ !!! و أشهرها ما يعرف "بخندق ديسكفري" برغم انه لم ترد اي روايات عن انشقاق المريخ !!!!!!!!!!!!!!

ولا زال علماء الفضاء يفكرون في امكانية تبطين هاته الشقوق واعدادها لبناء مختبرات ومباني لاستخدام البشر فوق سطح القمر لانه ثبت ان داخل تلك الشقوق هو آمن مكان للبشر من الاشعة الكونية والوهج الشمسي والاشعة فوق البنفسجية وما يسمى بقصف النيازك صغيرة الحجم micrometeorite bombardment ...

أترككم مع هاته الصور لشقوق القمر و ستلاحظون أنها تنتشر فوق سطح القمر قرب الفوهات الضخمة التي نتجت عن الانفجارات البركانية و سترون انها شقوق متعرجة مختلفة الطول و في الصورة الاخيرة سترون الصورة الوحيدة التي يستغلها المعجزكيون في تضليل أتباعهم المغيبين ..







و هذه هي الصورة اليتيمة التي يستغلها نصابوا العلم لخداع المساكين ... حيث توهم الناظر أنه الشق الوحيد و أنه يتخذ مسارا مستقيميا يفصل القمر الى شطرين



و هذا رابط لمن أراد الاستمتاع برؤية الشقوق

http://images.google.co.ma/images?hl=fr&q=Lunar%20Rilles%20&btnG=Recherche+Google&ie=UTF-8&oe=UTF-8&sa=N&tab=wi

ثانيا :حقيقة انشقاق القمر تاريخيا

اود أن أشير في الأول الى ان مرور نيزك بمحاذاة سطح القمر تاركا وراءه ذيلا من الدخان قد يعطي انطباعا للملاحظ الأرضي بانشقاق القمر ...
لكن مع ذلك نطالب كل من يدعي تأريخ الحضارة الهندية و الصينية للحدث ان ياتي بالدليل والمراجع التي تؤكد كلامه؛ حتى تُخرس أي فم يريد أن يتكلم عن هذا الموضوع ... أين شهادة التاريخ الهندي وأين شهادة التاريخ الصيني ... والكارثة أن هناك من يؤكد بأنهم أرخوا به ... فهل يا ترى تأريخ الهنود والصينيين يرجع إلى تاريخ هجرة محمد ...!!!!!!!!!!!! أن يتم الكذب على عقول لا تريد أن تتعب ولا أن تقرأ فذلك سهل ... اما نحن فنطالبكم بالمراجع الموثقة التي تؤكد تأريخ الهنود والصينيين لحادثة إنشقاق القمر
!!!



المناطق التي سيكون القمر مرئيا منها إن نزل من مداره ليحاذي الأرض فوق العربية
الدائرة الحمراء الصغيرة إسقاط للقمر حسب نسبة قطره للأرض, والدائرة الحمراء الخارجية تظهر منطقة الرؤية

تظهر الصورة أعلاه المنطقة التي سيكون فيها انشقاق القمر ظاهرا للعيان إن حدث كما وصف في آية "وانشق القمر". وتفيد شروح هذه الآية أن القمر انشق فلقتين يفصلهما جبل حراء، مما يدل على أن القمر نزل من مداره وحاذا الأرض أو قرب منها جدا من مداره:

حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بَزِيع , قَالَ : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ أَهْل مَكَّة سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَة , فَأَرَاهُمُ الْقَمَر شِقَتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاء بَيْنهمَا . (منقول من تفسير الطبري)

ومن الواضح أن جميع مراكز الحضارة المعروفة في ذلك الزمن، ما عدا منطقة الصين الشرقية واليابان، تقع في مجال "المعجزة المزعومة". ومع ذلك لا يوجد سجل تاريخي واحد من هذه الحضارات يشير إلى هذه الظاهرة العظيمة والتي بلا شك كانت ستدخل في ذكرى العلماء والعامة على حد سواء.

اقتراب القمر من الأرض بهذا الشكل الكبير كان سينتج أثارا طبيعية كارثية وهائلة بسبب الزيادة الكبيرة في قوة الجاذبية بين الجسمين والتي لا يمكن زوال أثرها لقرون عديدة ولكن أيضا لا يوجد أي دليل على ذلك. طبعا سيلجأ عبدة الأوثان المحمدية للقول أن القدرة الإلهية تدخلت لتمنع مثل هذه النتائج خالطين بذلك الإكتشافات العلمية من مواقع ناسا مع أمورهم الغيبية.

أما إن كان انشقاق القمر في مداره فسيكون بالطبع مرئيا من كل نصف الكرة الأرضية المواجه له وأيضا لا يوجد أي سجل يذكر ذلك و بذلك يكون نصف الكرة الأرضية الأخرى غير قادرين على رؤية المعجزة فهل أهملهم الله ؟!! أم أنهم ليسوا أهلا للدعوة ؟!! ألا يجب أن يكون البشر في رؤية المعجزات سواء حتى تقوم الحجة على الجميع ؟!!!.

تتجلى هنا معجزة انشطار القمر في ظل الفكر الإعجازي الإسلامي كواحدة من "الكذب الكبرى" إن لم تكن أكبرها على الأطلاق في كل التاريخ والتي يستعملها "علماء" المسلمون للعب بعقول جمهور العامة من المسلمين.

والمحزن في كل هذا الموضوع أننا نجد الضرورة للرد على هذا التفاهات المخزية وقد دخلنا في القرن الواحد والعشرين.
!!!




بدأت بهذه الخديعة رغم ان الكثير من الزملاء يعرف ذلك لكن لابأس أن يعرف بعض الزملاء وخصوصا المسلمين بحقيقة هؤلاء الدجالين و مدى احتيالهم على العلم

الجمعة، 9 أبريل 2010

منشورات ابو النور السرية .. الجزء الثاني



السادة رواد هذا المنتدى الأفاضل ؛
تحية طيبة و بعد

اليكم نص المنشور السري الثالث , و هو يقول :

............ مشكلة { الجهل } , أنه في الواقع نوع من { العلم } , يستند دائما الى نوع من { العقل } , و يقوم أيضا على نوع من { المنطق } . أنه ليس ظاهرة بريئة , تنجم عن نقص في حجم المعلومات , بل ظاهرة مسؤولة , تنطلق من معرفة يقينية , و تتميز بالقدرة على تسخير جميع أنواع الأسلحة , لفرض حلولها بنجاح في معركة لها هدف صاعق واحد , هو أن ينتصر الباطل على الحق بأي وسيلة , و بأي ثمن . لهذا السبب يلزم التمييز الواضح , بين معنى الجهل و معنى الأميّة ,

فالرجل الجاهل ليس رجلا محايدا , تنقصه المعلومات المطلوبة , بسبب عجزه عن القراءة . بل هو في الأساس رجل (( متعلم )) , واسع الأطلاع , منحاز الى (( الحق )) واثق من أقواله , صفته الظاهرة , أنه يملك أجابة نهائية عن كل سؤال , لأن معلوماته مستمدة - في رأيه - من مصدر علوي غير قابل للخطأ .

العلامة الأولى في منهج هذا الرجل , أنه بشرله لسان أله , فهو لا يقول شيئا من عنده , و لا يتكلم بلغة الناس , بل يردد - فقط - ما سمعه من الرب (( العليم )) شخصيا , و في العادة , يكون الرب مجرد بوق أجوف لصوت الرجل الجاهل نفسه , لكنه أحيانا , يكون معلما ذائع الصيت , له لقب يبعث على الرهبة مثل الأستاذ الدكتور , أو حضرة الأمام , أو آية الله بشحمها و لحمها .

في مواجهة رجل رباني من هذا النوع , يفقد المنطق هدفه و معناه , و يدخل الحوار في باب الجريمة , و تمتلك الأفكار سلطة بوليسية , حتى تصبح كل فكرة على حدة , مجرّد شرطي في بذاة الشغل , يجوب الشوارع حاملا عصاه , لحفظ الأمن و العلم معا .

أن ثقافتنا العربية , تعايش هذه الظاهرة الصعبة , من دون أمل في رحمة الله .

سبب المحنة و محتواها , أن كلمة { العلم } في قاموس العرب , لا تؤدي معناها المألوف في بقية القواميس , بل تشمل أيضا { علم التفسير } الذي تكفَل بشرح نصوص القرآن منذ زمن مبكرجدا , و منح نفسه حق احتكار الكلمة الأولى و الأخيرة في موضوعات معقّدة , لا تتجاوز معلومات الفقهاء فحسب , بل تتجاوز وسائل البحث المتاحة لمناهج الفقه بأسره . و خلال قرون طويلة من ممارسة هذا (( العلم )) المفتقر الى منهجية العلم , كان على الثقافة العربية أن تعايش تجربة الجذب المستمر بين مصدرين متناقضين للمعلومات المتناقضة :

الأول : مصدر العلم التجريبي الذي بدأ مسيرته في بلدان غرب أوربا منذ عصر داروين على الأقل , و نجح في استبدال منهج الكنيسة القائم على تفسير الكتاب المقدس , بمنهج تجريبي جديد , لا يعتبر التفسير علما , و لا يقبل نتائج البحث , الاّ اذا ثبتت في ضوء التجربة .

الثاني : مصدر التفسير الحرفي لنصوص القرآن , الذي أنتحل لنفسه صفة العلم الألهي في ثقافة العرب , و بقي بمعزل عن النقد , بفضل قدرته المتزايدة على تسخير سلطة الدولة لقمع النقاد بالقتل والتشريد , , منذ عصر الحلاج حتى الآن .

......... للمنشور بقية .

مع تحيات أخيكم في البؤس و الجهل و التخلف
آدم الطاهر أبو النور


السادة رواد هذا المنتدى ؛ تحية طيبة .. , و بعد

اليكم بقية نص المنشور الثالث , و هو يقول :

بين هذين المصدرين المتناقضين لحقائق العلم الأساسية , يواجه العقل العربي المعاصر محنة الحياة بوجهين في رأس مدهوش واحد . و هي محنة تتجلى علنا في مدارس العرب بالذات التي تحولت الى ساحات مفتوحة لشد الحبل , بين ثقافتين رسميتين , كلتاهما تعيش على حساب الأخرى , أن المبارزة تجري يوميا في كل كتاب مدرسي على حدة .

فمثلا : في درس التفسير , يتعلم الطالب العربي أن الله قد خلق السموات و الأرض في ستة أيام , و أن هذه الصياغة القرآنية نظرية علمية تعني ما تقوله حرفيا . و هو تفسير يفترض , مخطئا, أن القرآن كتاب في علم الفلك , مهمته أن يكشف للتلاميذ أسرار الكون , لكن الشيخ المفسر لا يلاحظ هذا التكلف الظاهر في فهمه للقرآن .

في درس الفلك , يكتشف الطالب فجأة أن الله لم يخلق أرضا ولا سماء , بل فضاء تسبح فيه الكواكب و النجوم , و أن ما يدعى باسم الأرض , كوكب يبدو معلقا في السماء , من أي نقطة خارج الأرض . و هي صورة لا تخرج عن أطار علم التفسير فحسب , بل تخلع عنه عمامةالعلم و جبته معا .

و مثلا في درس التفسير , يقال للطالب العربي أن مبدأ النشؤ و الأرتقاء ليس حقيقة علمية , و أن الله قد صنع آدم و حواء مثل تمثالين من الطين , و نفخ فيهما الروح , ثم وضعهما في الجنة , لكي ينعما بالحياة الخالدة الى الأبد . و هي قصة يرويها القرآن من باب الوعظ , لكن الشيخ المفسر يرويها من باب المعرفة بتفاصيل التاريخ , آملا أن يقوده منهج التفسير الحرفي الى كنز العلم الألهي .

في درس الأحياء , يكتشف الطالب مدهوشا مدى جهل المفسرين بمبدأ النشوء و الأرتقاء , و يعرف من الحفريات أن الله لا يصنع التماثيل , و أن الأنسان ليس مخلوقا منفصلا عن بقية الحيوانات , و لا ينتمي الى أب واحد أو أم واحدة , بل ينتمي الى فصائل متنوعة من القرود التي هجرت موطنها الأصلي في الغابة , و أحترفت الصيد في مناطق السافانا منذ مئة مليون سنة على الأقل . و هي حقائق لا تشكك في قدرة الله , بل تشكك في قدرة الفقه على تفسير كتاب الله .

و مثلا : في درس التفسير , يقرأ الطالب قصة الطوفان , و يعرف من (( علماء )) الدين أن التبي نوحا قد صنع مركبا , جمع فيه زوجين من كل المخلوقات , لكي ينقذ الحياة من الفناء .

و في درس العلوم , يعرف الطالب أن أجناس المخلوقات تزيد في الواقع على خمسين مليون جنس , و أن الأرض لم تغرق في أي طوفان خلال الألف مليون سنة الأخيرة على الأقل , و أن الأنسان لم يتعلم صناعة المراكب , ألا في عصر سومر منذ سبعة آلاف سنة قصيرة .

و مثلا : في درس التفسير , يقال للطالب أن النبي موسى أحال عصاه الى ثعبان في حضرة فرعون , و أنه أرسل على مصر وباء البعوض و القمل و الضفادع , و فلق البحرالأحمر بضربة من عصاه .

و في أوراق البردى , يقرأ الطالب أن فرعون شخصيا , لم يقابل رجلا أسمه موسى , و لم ير عصاه تنقلب ثعبانا , و لم يسجل قصة فلق البحر الأحمر , رغم ولعه بتسجيل القصص .

و مثلا : في درس التفسير , يعرف الطالب أن الملك سليمان , كان يكلم النمل و الطيور , و يسخر ملوك الجن في بناء الهيكل .

و في درس التاريخ , يتعلم الطالب أن الهيكل اليهودي لم يشيده ملوك الجن , بل بناه العمال اللبنانيون الذين استقدمهم سليمان من مدينة جبيل .

في زحام هذه المعلومات المتناقضة , يعايش الطالب العربي , في كل مدرسة عربية على حدة , تجربة مستحيلة , للتوفيق بين منهجين للمعرفة , كلاهما يدعوه الى الشكِ في أقوال الآخر :

الأول منهج أنساني , يلتزم بوسائل العقل , و يستند الى قوانين صارمة , لا تنكر مبدأ المعجزة فحسب , بل تطرحه خارج أطار العلم من أساسه .

الثاني منهج سحري , ينكر حاجة العلم الى العقل , و يقيم نتائجه على قاعدة مؤدّاها أن الرب الخارق لا بد من أن يخرق كل القوانين , و أن وقوع المعجزة هو { الدليل العلمي } على صدق علم التفسير .

بين هذين المنهجين المتناقضين , لا يملك الطالب العربي خيارا آخر سوى أن يدخل طائعا في قلب الدّوامة , و يجرب أن يعيش بشخصيتين في عقل مدهوش واحد . فهو - من ناحية - لا بد من أن يقبل معارف عصره , مثل بقية الطلاب , في بقية المدارس . لكنه - من ناحية أخرى - لا بد من أن يتلقى في درس التفسير معلومات المفسرين العجيبة التي لا يتلقاها الطلاب , و لا تعترف بها المدارس , و لا تقرها مناهج التعليم في أي مكان من العالم , سوى الوطن العربي و حده, فقط , لا غير .

فالمدرسة الحديثة في الشرق و الغرب , لا تعتبر تفسير الكتب المقدسة مادة علمية , و لا تضم دروسا للتفسير أصلا , و لا تسمح بتقديم مادة الدين في المدارس العامة , تحت أسم { العلم } , بل أن دولة مثل الولايات المتحدة , لا تجيز قراءة الأنجيل في مدارس الحكومة , حتى بعد أنتهاء اليوم المدرسي , و هو موقف لا تتخذه شعوب العالم لأنها ملحدة , أو أقل أيمانا من العرب , بل لأن كلمة { العلم } تعني في لغاتها غير ما تعنيه في لغتنا العربية .

فمنذ عصر الثورة البروتستانتية في القرن السادس عشر , كان الأ وربيون قد أكتشفوا أن العلم لا يستطيع أن يكون مقدسا من دون أن يخسر صفة العلم . و كانوا قد نجحوا في فصل المدارس العامة عن الكنيسة , و أعادوا صياغة المنهج التعليمي , طبقا لمبدأ مؤداه , أن معلومات الأنسان , مثل الأنسان نفسه , معلومات ناقصة , و غير نهائية , و غير منزهة عن النقد و المراجعة و التصحيح . و هو مبدأ لا يقره (( علم التفسير )) في ثقافتنا العربية , الذي يسمي نفسه علما ربانيا , لا يتعالى على النقد فحسب , بل يعتبره طعنا شيطانيا في علم الله . بسبب هذا التحريف الرسمي لمعنى كلمة { علم } , ينفرد العرب من بين جميع أمم الأرض بثقافة معصومة عن الخطأ , تسمي رجل الدين (( عالما )) , و تعتبر الرأي الفقهي نظرية علمية , و تورط نفسها في منهج جدلي مستحيل , صفته المستحيلة أنه قائم على تحريم الجدل بالذات . و عندما يبدأ درس التفسير في أي مدرسة عربية , و يجلس الطلبة واجمين في حضرة الشيخ المفسر , تخرج قاعة الفصل بأسرها من هذه الكرة الأرضية , و تغيب في عالم غائب , لا يحكمه منطق أو قانون و لا يعترف بعقل أو دليل , و لا يكشف أسراره لأحد , سوى الشيخ السري شخصيا . أن عالم الله المنطقي يفقد فجأة كل حاجة الى صوت المنطق .

فعلم التفسير لا يصدق أن القرآن { بيان للناس } , بل يعتقد أنه كتاب بالشيفرة , يضم جميع أسرار العلم في التاريخ و الفلك و الجغرافيا و الأحياء , و أن كل ما يحتاجه الشيخ المفسر , لكي يفتح هذا الكنز المجاني , من المعلومات , هو أن يجلس في بيته الدافيء , و يفسر نصوص القرآن . و هي فكرة لا تستند الى القرآن نفسه , و لم يقل بها الله , و لا تعكس منهج العلم القائم على البحث و التجربة , بل تعكس منهج رجل كسول , يريد أن يحصل على أسرار الغيب بالمصادفة السعيدة وحدها التي جعلت لغته العربية , هي - بالذات- لغة العلم الرباني في القرآن . و في عقل شعوبي من هذا الطراز , تختلط نتائج الحسابات , و يغيب صوت المنطق وراء صخب الخرافة , و يتحول الحوار من وسيلة لنقاش الأفكار الى وسيلة لتمريرها من دون نقاش .

إن الأنسان المقلوب على رأسه , يخسر رأسه و رجليه معا .

فالقرأن ليس كتابا لمحو الأمية , و ليست مهمته أن يكشف أسرار العلم للمفسرين. إنه لا يروي قصص التوراه و الأنجيل , لأنه يعتبرها ((حقائق علمية )) , بل لأنه يريد أن يحتويها في صيغة منقحة , قادرة على تحقيق التآخي بينها في مجتمع إنساني موحد . و هي مهمة أوّلها القرآن على خير وجه , و قدم لأجيال البشرية منذ القرن السابع , أول كتاب مقدس , يحتضن جميع الكتب المقدسة , و يتعايش مع جميع الشرائع و الأجناس , في أول مجتمع ديموقراطي قائم على مبدأ الأقتراع الحر , و حق الأغلبية في إتخاذ القرار . و مادامت القبلية العربية قد نجحت في تقويض هذا المجتمع , و إنهاء شريعته الجماعية منذ عصر الأمويين , فان علم التفسير لا يستطيع أن يخدم غرضا آخر سوى أن يكون علما مسخرا لتزوير القرآن بالذات .

و الواقع , أن فرض مادة التفسير على مناهج التعليم في المدارس العامة , فكرة لا تثبت شيئا سوى أن غياب الشرع الجماعي قد سلب المواطنين العرب جميع حقوقهم الشرعية , بما في ذلك حقهم في حماية أولادهم من عمليات غسيل المخ التي تجري في المدارس العامة باسم التعليم .

فالمدرسة التي تبنيها الحكومة بنقود دافعي الضرائب , ليست مؤسسة حكومية , و لا يجوز أن تتحول الى أداة تسخرها الدولة لشراء مرضاة رجال الدين , بفرض تفسيراتهم على مناهج الدراسة , تحت شعار العلم بالذات . لأن هذه الحيلة السياسية السهلة , لا تستطيع أن تخدم العلم أو الدين أو السياسة , و ليس من شأنها أن تحقق غرضا عمليا آخر سوى أن تنقل خلافات المذاهب الطائفية الى المدارس , و تخرب الخلية الأولى لثقافة عربية موحدة , و تنشر عدوى الجهل المتراكم في كتب التفسير , مثل وباء وراثي , من جيل الى جيل . وهي كارثة قد لا يكتشف حكام الوطن العربي أبعادها , حتى يأتيهم بها الله غاضبا إلى باب الدار .

إن اللعب بالنار , لا يجعل النار لعبة .

و الخطأ الذي إرتكبته الحكزمات العربية منذ عصر محمد علي باشا , أنها تعمّدت أن تسخر القرآن لخدمة أغراضها الأعلامية , في لعبة خطرة - و شائنة - ما لبثت أن أعطت المفسرين صوتا لا يملكونه , في شؤون الأدارة و الحكم , و منحتهم حق التدخل في صياغة القوانين و مناهج التعليم معا , و بسطت ظلهم على أجيال العرب , في تيار أصولي عارمة , تواجهه الحكومات العربية الحالية بندم الفأر الذي استأجر لنفسه مصيدة . فالباشا العربي لم يحقق مكسبا من وراء حلفه مع رجال الدين , سوى أنه أصبح سيافا في خدمتهم , يقطع لهم أيدي المواطنين و رقابهم , و ينهب لهم من بنود الميزانية العامة , ما يكفي لتأمين رواتبهم في عشرات الوظائف المبتكرة , من تلاوة القرآن في برامج الأذاعة و التلفزيون , إلى إصدار الصخف و المجلات , و تأسيس جمعيات الدعوة الأسلامية . و هي نفقات لا يقرها دستور واحد في العالم , سوى دستور الباشوات الورعين في الوطن العربي .

إن القرآن ليس وسيلة لكسب العيش , و لا يطوع نفسه لخدمة الأقطاع , و لا يدّخر وسعا في تحذير المفسرين من تسخيره لهذا الغرض بالذات , في آيات صريحة , منها :

في سورة البقرة 174 { و يشترون به ثمنا قليلا , أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار }

و في سور البقرة 79 { ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا , فويل لهم مما كتبت أيديهم , و ويل لهم مما يكسبون }

و في سورة آل عمران 78 { و إن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب , لتحسبوه من الكتاب , و ما هو من الكتاب . و يقولون هو من عند الله . و ما هو من عند الله . و يقولون على الله الكذب , و هم يعلمون }

و في سورة آل عمران 187 { فنبذوه وراء ظهورهم , و اشتروا به ثمنا قليلا , فبئس ما يشترون }

هذه الآيات الصريحة , يعتبرها علماء التفسير , موجهة الى كتبة التوراه و الأنجيل وحدهم , مصرين على أنها لا تعنيهم من بعيد أو قريب . لكن هذا الحل التلفيقي اليائس لا يثبت شيئا , سوى حاجة المفسرين الى الحلول الملفقة .

إن حصيلة الجهل النهائية هي أن يصبح جهلا حاصلا من دون نهاية .

فالقرآن ليس كتابا بالشيفرة , و لا يحتاج الى علم يفسره . إنه دعوة الى الشرع الجماعي , مهمته أن يبيد نظم الأقطاع , و يضع نهاية لسيطرة الخرافة على عقول العرب بالذات . و ما دامت ثقافتنا العربية تتعمد أن تتجاهل هذه الحقيقة , فلا مفر من أن تصاب بالعقم , و تنقسم تلقائيا بين رجلين عقيمين , كلاهما (( مثقف)) من دون ثقافة , و كلاهما أكذوبة من دون مستقبل

إنتهى المنشور ؛

مع المودة و الأحترام

الثلاثاء، 6 أبريل 2010

الله غير قادر على كل شيء





الإله : هو كائن خارق للطبيعة ، مطلق ، كامل ، قادر على كل شيء ، لا نهائي ، غير محدود بشيء ، يعلم كل شيء ، خارج الزمان ، خالق للكون والإنسان ، يستجيب للدعاء ، ويوصف بالرحمة والعدالة ..الخ ، و يطلق عليه الرب أو الله .

_من أهم الخواص الإلهية أنه " قادر على كل شيء " :

القدرة على كل شيء ، تعني أنه لا يوجد شيء لا يستطيع فعله ، ولا يوجد أي معوق أو أي شيء يحد من مقدرته ، فهو فوق كل مقدرة وكل إعاقة ، ومن جهة أخرى ، إذا وجد هناك شيء لا يستطيع فعله الإله ، فيعني أنه غير قادر على كل شيء ، بالتالي فهو غير موجود.

_هل يستطيع المؤمن إثبات أن الله قادر على كل شيء ؟

سنفرض أنك أنت إنسان مؤمن بالله وبتعاليمه " مهما كانت " أو بقدرته على فعل كل شيء ، وإنك تعلم أنك إذا دعوته دعوة صادقة سيستجيب لدعواتك . حسناً .
صلي وادعي وقدم قرابين وإفعل الخير وأطعم الفقراء وساعدهم على نية أن يفعل شيء أي يغير شيء أن يعطيك شيء ، أي شيء مهما يكن صغيراً أم كبيراً ، المهم أن يثبت أنه قادر على كل شيء ، فإذا دعوته ، فإنك ستنتظر وتحتار بأمره لماذا لم يستجيب بعد ، فأنا سأساعدك بوضع الاحتمالات الممكنة المعبرة عن موقف الله :

1- لم يسمعك ، فلم يجب لدعواتك . ( بالتالي هو غير قادر على كل شيء ) .
2- يستطيع مساعدتك ، ولا يريد . ( بالتالي فلا يمكن أن تثبت أنه قادر على كل شيء ) .
3- يريد مساعدتك ، ولا يستطيع . ( بالتالي فهو غير قادر على كل شيء ، بالتالي غير موجود ) .

سيعترض المؤمن على الاحتمال رقم ( 2 ) ، ويتحجج بأنها مشيئة الله .! والله لم يشاء أن يستجيب الآن . حسناً ..
بقليل من التفكير ، ستكتشف أيها المؤمن ما يلي :

1- أنك دعوت وصليت وساعدت الفقراء ..الخ ، ولم تجني شيئاً من هذا .
2- أن الله لا يستجيب ، إما الخطأ منك أو منه ، أو الله غير موجود .
3- لا تستطيع أن تثبت أن الله قادر على كل شيء .

_وهنا لابد من التذكير ، بحجة " الشر أو السيئ " :

هل يريد الله أن يمنع الشر ، لكنه لا يقدر ؟ حينئذ هو ليس كلى القدرة !
هل يقدر ، لكنه لا يريد ؟ حينئذ هو شرير !
هل يقدر ويريد ؟ فمن أين يأتي الشر إذن ؟
هل هو لا يقدر ولا يريد؟ فلماذا نطلق عليه الله إذن؟

_القدرة على كل شيء تعني القدرة على جميع المستحيلات ، والأشياء المتناقضة منطقياً :

ما هي الأفعال المنطقية ، والأفعال الغير منطقية ؟
لنتفق على أن كل فعل لا يخالف العقل ولا البداهة ولا التجربة ، والقوانين الفيزيائية ، هو ضمن الأفعال المنطقية ، والأفعال الغير المنطقية هي عكس ذلك .....فهنا نتساءل :

هل نستدل على الله بالمنطق ، أو لا ؟

الجواب المعتاد :
نعم نستدل عليه بالمنطق ، فإذا كنا لا نستطيع أن نضعه ضمن المنطق الإنساني ، فلن نستطيع أن نستدل عليه .

هل أفعاله داخل المنطق أم خارجه ؟

وعلى هذا السؤال يوجد ثلاثة أجوبة :

أفعال الله داخل المنطق :
إذا كانت أفعال الله داخل المنطق ، فهي حتماً ليست خارج المنطق ، بالتالي الأفعال تقتصر على الأفعال المنطقية ، وسنربح من هذا الجواب ، الاستدلال على وجود الله من أفعاله المنطقية ، وسيخسر الله قدرته على الأفعال الغير منطقية ، بالتالي لن يكون قادر على كل شيء .


أفعال الله خارج المنطق :
إذا كانت أفعال الله خارج المنطق ، فهي حتماً ليست داخل المنطق ، بالتالي الأفعال تقتصر على الأفعال المنطقية ، وسنخسر من هذا الجواب ، الاستدلال على وجود الله من أفعاله المنطقية ، و سيربح الله قدرته على الأفعال الغير منطقية ، بالتالي لن يكون قادر على كل شيء .


أفعال الله داخل وخارج المنطق :
فالله يستطيع أن يفعل أشياء منطقية ، ويستطيع أن يفعل أشياء غير منطقية ، وفي نفس الوقت ، فنستدل على وجوده من الأفعال المنطقية ، ونُسحر ونتأمل بأفعاله الغير منطقية .

فالله يستطيع أن يعطي جوابين عن السؤال : 1+1 = ؟

1+ 1 = 2 ( وهو جواب منطقي ) ، و ، 1+ 1 = 54 ( وهو جواب غير منطقي ) .

فالجواب الأول صحيح منطقياً ، والجواب الثاني خاطئ منطقياً ، بالتالي أعطينا فرصة لله بأن يخطئ وهذا ينافي الكمال .

فالقدرة على كل شيء ، تعني أيضاً القدرة على الخطأ ، والخطأ هو بالنسبة لنا كبشر ، فبأي حق نطالب بالاعتقاد بوجود إله قادر على كل شيء ولا يخطئ ؟.

ونستطيع أن نعبر عن هذا بصيغة أخرى :

اذا كان الله قادر على كل شيء ،هل الله قادر على الخطأ ؟

اذا كان الجواب " لا " ، فهو غير قادر على شيء ، واذا كان الجواب " نعم " ، فهو غير قادر على كل شيء .
والجواب الأنسب للخروج من هذه الحالة الحرجة القول بأن الله غير معني بمفاهيم الخطأ والصواب ، لكن ذلك سيؤدي إلى نفي صحة الديانات و الحساب ، فكيف سيحاسب ، وليس لديه مفاهيم للخطأ والصواب ؟


_ليكون الله قادر على كل شيء ، عليه أن يفعل كل شيء :


هل كان الله كاملاً قبل الخلق ؟

قبل الوجود كان الله ، ولم يكن هناك فعل الخلق ، بالتالي الله لم يكن خالقاً ، بالتالي لم يكن كاملاً ، و عندما قام بالخلق ، فهو قام بشيء مجبر عليه ولم يكن مخيّر أبدا ، لكي يصبح كاملاً ، وليثبت " لا أعرف لمن ، ربما لنفسه " أنه قادر على كل شيء ، حتى الخلق ، وهنا نلاحظ تغير حال الله من " كائن ناقص ، قبل الخلق " إلى " كائن كامل ، بعد الخلق " فما معنى أن يكون لكائن خارق ، يتصف بالقدرة على القيام بكل شيء ، إن لم يفعل كل شيء ؟

فهل فعل الله كل شيء ، أم لم يفعل ؟

اذا كان فعل كل شيء ، فهو لا ولن يستطيع فعل شيء الآن ، وهو لا ولن ، يتدخل بمصير الكون أو الإنسان ، ولا يوم حساب ولا قيامة ولا شي من هذه الأمور .
وإذا لم يفعل كل شي فهو غير كامل .

_مشكلة ( خارج وداخل ) :

لنعود ونفترض أن الله كائن قادر على كل شيء :

- إذا كان الله خارج الزمن ، فهل يستطيع أن يكون داخل الزمن ؟
إذا استطاع أن يكون داخل الزمن ، فهو محدود بالزمن ، وإذا كان لا يستطيع أن يكون داخل الزمن فهو غير قادر على كل شيء .

- إذا كان الله خارج الكون ، فهل يستطيع أن يكون داخل الكون ؟
إذا استطاع أن يكون داخل الكون ، فهو محدود ، وإذا كان لا يستطيع أن يكون داخل الكون فهو غير قادر على كل شيء.

_القدرة على كل شيء تناقض المعرفة الكلية :

لو أن الله كلي المعرفة ، فهو يعرف بالتأكيد ومسبقا كيف سيتدخل بقدرته الكلية ليغير مجرى التاريخ ، وهذا يعني بأنه لا يستطيع تغيير رأيه بهذا الموضوع فهو بالتالي ليس كلي القدرة لآن هناك شيئا لا يستطيع فعله .

_الحجة الوجودية :

أول من قال بها أنسليم وهو قديس عاش بالعصور الوسطى ( 1033- 1109 ) ، وتفيد هذه الحجة بالتالي :
حتى الذي لا يعترف بوجود الله ، لا يمكن أن يتصور في ذهنه موجوداً أعظم من الله ، لآن الشيء الذي لا نتصور وجود أعظم منه ، لا يمكن أن يوجد في الذهن فقط ، لآنه لو كان موجود في الذهن فقط ، لكان بإمكاننا أن نفكر في أنه موجود في الحقيقة أيضاً ، وهذا وجود أعظم ، لآن الشيء الموجود في الذهن وموجود في الحقيقة ، أعظم من الشيء الموجود في الذهن فقط .

بالتالي الكائن الذي لا نستطيع أن نتخيل أعظم منه ، هو نفسه ما نستطيع أن نتصور أعظم منه ، وهذا تناقض ، وبذلك يكون ما لا نستطيع أن نتصور أعظم أو أكثر كمالاً منه ، يوجد في الذهن و الواقع .. إذاً الله موجود.

ويطرح ريتشارد دوكنز في كتابه " وهم الله " الحجة الوجودية على الطريقة التالية :

يقول وبطريقة طفولية ، الغاية منها توضيح الحجة بأبسط صيغة ممكنة :

"أراهنك بأني أستطيع اثبات وجود الله .
لا أظنك تستطيع
حسناً ... تخيل أكمل .. أكمل .. أكمل شيء ممكن
لقد فعلت .. ثم ماذا ؟
هل هذا الشيء الكامل الكمال المكمل حقيقي ؟ هل هو موجود ؟
لا .. هو في خيالي فقط .
ولكن لو كان هذا موجودا لكان أكثر كمالا ، لآن الشيء الكامل الحقيقي جدا هو افضل من مجرد خيال سخيف لشيء ما . وبهذا أكون قد برهنت أن الله موجود . هيه .. هيه ... هيه .. كل الملحدين حمقى " .

طبعاً جاء الرد على هذه الحجة من قبل هيوم وكانت ، فقد عُثر على الخطأ في هذه الحجة ألا وهو ( الأكثر كمالاً ) من اللاوجود . ويقول نورمان مالكوم : ما معنى أن نقول وجود البيت سيكون أفضل من عدم وجوده ؟

وأتى رد آخر بطريقة ساخرة ، من دوغلاس غاسكنيغ حيث قال :

- إن خلق الكون هو أكبر إنجاز يمكن تخيله .
- قيمة أي إنجاز هي حاصل ضرب قيمتي : (1 ) قيمته الجوهرية ( 2 ) إمكانيات الخالق له .
- كلما كانت إعاقة الصانع أكبر ، كلما كان إنجازه مثيراً للعجب أكثر .
- أعظم الاعاقات وأكبرها بالنسبة لخالق هي عدم وجوده .
- لذلك لو افترضنا أن الكون هو إنجاز لخالق موجود فبإمكاننا أن نتخيل وجوداً أعظم – بشكل ما ، والذي يستطيع خلق كل شيء بدون أن يكون موجود .
- فالإله الموجود إذن لن يكون أعظم ما يمكن تخيله لآن الإله الغير موجود أعظم وأكثر إثارة للدهشة .
- النتيجة : الله غير موجود .

نحو فكر إلحادى قوى ومتجذر ....بعيدا عن الله . الحلقة الأولى





الألحاد هو رفض فكرة الأله

يكون هذا كافيا طالما أمتلك الملحد مايجعله يبرر رفضه لكل ماهو ميتافيزيقى .
إذن يكون الألحاد هو كلمة- لا - كبيرة يعلنها الملحد ضد كل ماهو خرافة وغير خاضع للأستدلال و التعاطى ..
فى الالحاد التقليدى يكون رفض الصورة المطروحة من خلال الأديان والمعتقدات لها ما يبررها ...فالبضاعة
المطروحة من خلال الدين شديدة الفساد وغير صالحة للأستهلاك الأدمى ..ويستطيع الأنسان أن يجد تراثا
هائلا من الخرافة تجعله يتيقن من تناقض فكرة الله وضعفها وهشاشتها .
الملاحظ دوما أن إلحاد معظم الملحدين وأنا منهم جاءت من عبثية وسذاجة فكرة الله كما تطرحها الاديان ...
علاوة على تناقضها الداخلى وعدم وجود أى ألية تثبت وجودها .

تكون هكذا رؤية كافية لرفضك لفكرة الأله ...لأنك ترفض ماهو مقدم إليك من أفكار مهترئة ليس لها أى أساس
مادى أو عقلانى أو علمى وتفتقر لأى وسيلة للأستدلال والأثبات .
ولكن ...هل يصبح الألحاد هو فكر ناقد مكتفيا بهذا الدور فى رفض كل ماهو عبثى وغيرمحقق .
كثيرون يرون ذلك ويكون الصواب فى جانبهم ...فالألحاد غير مكلف أن يقدم رؤية بديلة أو نظرية جديدة .

ولكن واقعنا العربى الذى لم يتخلص من ثقافة الحكاية لا يقنعه هذا الأمر ...فلقد تعودنا على حدوتة بسيطة تفى
حاجاتنا المعرفية .
الأنسان العربى نتيجة ترسخ الأسطورة فى داخله وجد فيها كل ما يريحه من معرفة بسيطة وساذجة ومشوهة
تجعله يعزف عن الجدالات الفلسفية بالرغم من أهميتها .
فهل يستطيع الألحاد أن يقدم فكرة وحدوتة بديلة للأسطورة الألهية والدينية .؟
الجواب أنه يستطيع ولكن الأمور ليست بالسهولة بمكان ..علينا هنا أن نطرح كل ما توصل إليه العلم فى شتى
مجالات المعرفة والطبيعة لنؤسس فكرا ماديا جدليا علميا جديرا أن يحل مكان الخرافة والغيبيات .

هذا ما نبغيه من موضوعنا هذا ...أن نقدم رؤية جيدة ومتماسكة لتأسيس فكر إلحادى مادى جدلى .
بداهة لن تكون الأمور على شكل قصة وحدوتة ..بل منهج فكرى يتكون من جزيئات من الرؤى والحقائق مكونة
نسيج متماسك من المعرفة .

ستقابلنا مشكلة المقالات العلمية الشديدة الصعوبة مما قد لا يحتملها الكثيرون ..لذلك سنبدأ بتقديم فلسفة مادية
ومنهج للتفكير يكون كافيا لخلق فكر إلحادى مستقل له بنيته الخاصة .

لن نحفل بنقد الأديان بقصصها وأساطيرها ..بل يمكن أن نحلل الأسطورة وفقا لأدواتنا ورؤيتنا الجدلية .
سنحاول أن نكون بعيدين عن فكرة الله ...إلا مايخص تحليلنا لنشأة الفكرة وتطورها .

سأثرى هذا الموضوع بمقالات لكتاب مميزين لهم فكر جدير بالأحترام ...أملا فى تكوين ثقافة إلحادية متجذرة على
أرض الواقع خالقا فكرا مستنيرا واثقا وواعدا ..

لا أخفى عليكم أن المحصول الذى سنقدمه سيكون شديد الثراء ولن يخلو من الإطالة والصعوبة فى بعض الأحيان
ولكن ما يشفع له هو أننا سننال فى النهاية ثقافة إلحادية قوية ومتجذرة بعيدا عن الله .

1- تخلُّف -السؤال-!


تخلُّف الثقافة والفكر عندنا نراه في "الجواب".. في أجوبتنا الثقافية والفكرية؛ وليس في قَوْلنا هذا ما يُعَدُّ اكتشافاً جديداً. ولكنْ، ثمَّة مقياس آخر يمكن أن نقيس به تخلُّفنا هذا، وقلَّما حظي بالاهتمام، على أهميته الكبرى، وهو "السؤال"، فَقُلْ لي عمَّا تسأل، وكيف تسأل، أقول لكَ من أنتَ، لجهة محتواك الثقافي والفكري.

السؤال عن شيء، هو في حدِّ ذاته مقياس نقيس به المحتوى الثقافي والفكري لسائله، ونمط الحاجة المعرفية التي يريد تلبيتها من خلال الجواب عن سؤاله، فشتَّان ما بين من يسأل (باهتمام) عن علامات ظهور المهدي، ومن يسأل (باهتمام) عن السبب الذي يَحْمِل بعضاً منَّا على تَرَقُّب ظهوره، وظهور من يشبهه، أو ما يشبهه، من قوى "الخلاص الأبدي".

أمَّا الأهم من محتوى السؤال، أي الشيء الذي تسأل عنه، فهو "طريقة السؤال"، فثمَّة اكتشافات معرفية في منتهى الأهمية ما كان لها أن تكون لو لم يشق الطريق إليها "سؤال ذكي"، ولو لم يتَّخِذ هذا السؤال من كلمة "لماذا" فاتحة له.

إنَّكَ لن تتوصَّل إلى اكتشاف معرفي جديد لو ظللتَ تَفْتَتِح سؤالكَ، أو أسئلتكَ، بكلمات من قبيل "متى"، و"أين"، و"كيف"، على أهميتها وضرورتها لجهة معرفة تفاصيل ما حَدَث، فالسؤال عن "زمان" و"مكان" الحَدَث، وعن "كيفية حدوثه"، نرى أهميته الكبرى في الصحافة والإعلام على وجه الخصوص، أي في عملٍ يستهدف "المعلومة" في المقام الأوَّل.
وعلى أهمية الصحافة في صناعة ونشر الجواب المتأتي من "السؤال الإعلامي (أو الاستعلامي)"، فكثيراً ما رأيْنا "السائل الإعلامي" يسيء السؤال، عن قصد، أو عن غير قصد، فيسأل الذي يتوجَّه إليه بالسؤال، توصُّلاً إلى معلومة، أو رأي، أو موقف، سؤالاً فيه معظم الجواب، إنْ لم يكن كله، كأن يسأل زعيماً عربياً عن رأيه في ما تحقَّق لمجتمعه من تقدُّم وتطوُّر في عهده، وكأنَّ غاية السؤال هي الإجابة التي يريدها المجيب!

إنَّكَ تستطيع أن تؤلِّف كُتُبَاً في أمْر حَدَث ما إذا ما كانت الإجابات التي تسعى إليها هي من نمط الإجابات التي تأتي بها أسئلة "متى"، و"أين"، و"كيف"؛ ولكنَّكَ تشعر بالعجز (الذي قد تتغلَّب عليه في آخر المطاف) عن كتابة أسْطُرٍ في أمْر هذا الحدث إذا ما اختلفت طريقة سؤالكَ، كأنْ تسأل "لماذا حَدَث هذا الذي حَدَث الآن، وليس من قبل؟"، و"لماذا حَدَث على هذا النحو، وليس على نحو آخر؟".

بأسئلة تبدأ بـ "متى"، و"أين"، و"كيف"، يُمْكِنكَ أن تعرف الحَدَث معرفة أوَّلية، لا بدَّ منها؛ ولكنَّ هذه المعرفة لا تتعمَّق وتكتمل، ولا تُضيف إلى معارفنا شيئاً جديداً، ويُعْتَدُّ به، إذا لم تَقْتَحِم بابها بـ "سؤال لماذا". وأنتَ يكفي أن تأتي ببديهية أو مسلَّمة ما، وأن تَقْتَحمها بـ "سؤال لماذا"، حتى تشعر أنَّ جهلاً كبيراً قد وُلِدَ من هذه "المعرفة اليقينية"، وأنَّ هذا السؤال الجديد، أي الذي كانت أداته "لماذا"، يتحدَّاكَ أن تجيبه.

أليسَ بديهية أن تقول إنَّ الأرض هي التي تدور حول الشمس، وليست الشمس هي التي تدور حول الأرض؟ إذا قُلْتَ هذا فإنَّكَ تُثْبِت أنَّكَ تَعْرِف؛ ولكن من غير أن تضيف إلى هذا الذي تَعْرِف شيئاً. أمَّا لو تجرَّأتَ وسألْت "لماذا الأرض هي التي تدور حول الشمس، وليست الشمس هي التي تدور حول الأرض؟"، لَوَجَدَتَّ نفسكَ في مواجهة تَحَدٍّ معرفي كبير، فإذا اسْتَجَبْتَ له، وعَرَفْتَ كيف تستجيب له، فإنَّكَ تتوصَّل، أو تشارِك في التوصُّل، إلى اكتشاف معرفي جديد، في منتهى الأهمية.

إنَّ "لماذا"، التي تَنْدُر وجوداً، في سؤالنا الثقافي والفكري، فتأتي أجوبتنا، بالتالي، بما يبقي على تخلُّفنا الثقافي والفكري، ويُعمِّقه ويوسِّعه، هي المِعْوَل الذي به يُمْكننا، وينبغي لنا، هَدْم ما نحن فيه من "وثنية فكرية"، تَحْمِلنا دائماً على اتِّخاذ مسلَّمة فكرية ما، يعوزها الإثبات، دليل إثبات، أو نفي، في قضايانا الثقافية والفكرية.

إنَّنا ما زلنا "أُمَّة لكلِّ سؤال جواب"، فليس من سؤال يُسْأل اليوم ولَمْ نُجِبْ عنه من قبل، وكأنَّنا "أُمَّة الحقيقة المطلقة"، التي ليس من سؤال يُمْكِن أن يَخْدِش مسلَّماتها الثقافية والفكرية، أو يَحْملها على "نَسْبَنة" أجوبتها، أي جعلها "نسبية"، أي "عِلْمية"، فمنزلكَ، مثلاً، إنَّما يقع دائماً على يمين الشارع، ولا يُمْكِن أن يقع على يساره، أي أن يكون على يمينه ويساره في آن.

وأحسبُ أنَّ خروجنا من الظُلُمات إلى النور، ثقافياً وفكرياً، يبدأ، أي يجب أن يبدأ، بتحوُّلنا إلى "أُمَّة سؤال"، تأتي بكل مسلَّمة من مسلَّماتها الثقافية والفكرية، وتَضَع في نهاية سطرها كلمة "لماذا"، فـ "الأُمم العِلْمية" إنَّما تُميِّز نفسها، ثقافةً وفكراً، بـ "سؤال لماذا"، من غير أن تضرب صفحاً عن "متى"، وأين"، و"كيف"، في أسئلتها. إنَّها تبدأ بها؛ ولكنَّها لا تتوقَّف عندها، فهي ليست سوى بداية الغوص في بحور المعرفة على أنواعها.

ملايين البشر، وفي كل الأزمنة والأمكنة، رأوا تُفَّاحاً يسقط إلى الأرض من شجره، فاعتادوا هذا المشهد حتى غلبت "العادة"، في وعيهم، "الحاجة". وحده نيوتن اكتشف إذ سأل "لماذا التفَّاحة المنفصلة عن غصنها تتحرَّك إلى أسفل (أي تسقط) ولا تتحرَّك إلى أعلى (أي تصعد).
و"التُّفاح" من معارفِنا على نوعين اثنين: "كلُّ التُّفاح" و"تفَّاحة نيوتن".

وأجوبتنا الثقافية والفكرية على نوعين اثنين: نوعٌ تتغلَّب فيه "العادة" على "الحاجة"، ونوع تتغلَّب فيه "الحاجة" على "العادة". ولقد حان لنا أن نجيب بما يلبِّي الحاجة (الفكرية والثقافية والمعرفية) وليس بما يوافِق ويُرْضي عاداتنا في الفكر والتفكير؛ ولكنَّنا لن نخطو ولو خطوة واحدة كبرى على هذا الدرب إذا لَمْ نَفْهَم "الحرَّية" على أنَّها "السؤال الحر" أوَّلاً، فتحرير العقل العربي إنَّما يبدأ بـ "تحرير السؤال"، فلا سؤال يظلُّ سجيناً في زنزانتنا الفكرية إلى الأبد!



2- الوعى

"الوجود" و"العدم" هما من المفاهيم الفلسفية الأساسية.. وقد شرعا، في القرن العشرين على وجه الخصوص، يتغيَّران بما يجعلهما جزءا أيضا من مفاهيم الفيزياء، فبعضٌ من القائلين بنظرية "الانفجار الكبير" Big Bang يتحدَّثون عن خَلْقٍ للمادة من العدم، وعن "الاستمرارية" في هذا الخَلْق. وهُمْ يفهمون هذا الخَلْق على أنه حَدَثٌ يَحْدُث "في غفلةٍ" من قانون "حفظ المادة (حفظ الكتلة والطاقة)"، ولا يؤدِّي، أبدأ، إلى زيادة مقدار المادة في الكون؛ لأنَّ المادة المخلوقة، بحسب زعمهم، من العدم سرعان ما تفنى. إنَّها، بزعمهم، تفنى قبل أن "يحسَّ" بوجودها قانون "حفظ المادة"!

"الوجود" و"العدم" إنَّما هما نقيضان، أو ضدان؛ ولكن ليس في المعنى الدياليكتيكي، فالدياليكتيك يَفْهَم النقيضان، أو الضدان، على أنهما شيئان متَّحِدان، متداخلان، لا يمكن، أبدا، أن يستقل أحدهما، في وجوده، عن الآخر.. وعلى أنهما شيئان يتحوَّل كلاهما إلى الآخر. إنَّ "الوجود" و"العدم" لا يتداخلان، ولا ينطوي كلاهما على الآخر، ولا يتحوَّل إليه؛ لأنَّ "العدم" خرافة فلسفية (وفيزيائية).

"الوجود" إنَّما يشمل كل ما هو "موجود". و"الموجود" بعضه "مادة"، وبعضه "لا مادة". وهذا الـ "لا مادة" إنَّما هو "الوعي" و"الفكر" و"الشعور".. و"الروح". من "الوجهة الكمِّيَّة"، يمكن القول أنَّ "المادة" هي "معظم" الوجود؛ وقد كانت حتى ظهور الحياة، وظهور الإنسان على وجه الخصوص، "كل" الوجود. ولمزيدٍ من الوضوح، أقول إنَّ كل مادي (أي كل ما هو مادي) موجود؛ ولكن ليس كل ما هو موجود مادي، فـ "الوعي"، أي وعي الإنسان ـ الاجتماعي، موجود؛ ولكنه ليس بـ "المادة"، أو بـ "الشيء المادي".

إذا قُلْنا بوجود يتألَّف من "مادة" و"وعي" فلا خلاف بيننا وبين "المثاليين (الموضوعيين والذاتيين)". الخلاف يبدأ عند البحث في أوجه العلاقة بين "المادي" والـ "لا مادي"، بين "المادة" و"الوعي (الفكر، الشعور، الروح)". الخلاف يبدأ عندما نقرِّر، بمعونة العِلْم، أنَّ "المادة" هي "الواقع الموضوعي، القائم في خارج الوعي، وفي استقلال تام عنه، والذي يمكنه أن ينتقل إلى الدماغ البشري، عَبْر الحواس، في شكل أحاسيس، منها، وبها، نؤسِّس المفاهيم والأفكار..". عندما نقرِّر، وبمعونة العِلْم أيضا، أنَّ "المادة" يمكنها أن تُوْجَد، وقد وُجِدَت، وهي موجودة، من دون "الوعي"، الذي لا يمكنه، أبدا، أن يُوْجَد من دون "المادة"، التي كانت ولم يكن من وعي.

"الوعي" إنَّما هو خاصِّية الدماغ البشري، التي تظلُّ كامنة، غير ظاهرة، حتى يستوفي "الوعي" شرطه الاجتماعي، فـ "الوعي" هو خاصِّية دماغ "الإنسان الاجتماعي". و"الوعي" لا يُوْجَد، ولا تقوم له قائمة، من دون ثلاثة أشياء: "الدماغ البشري"، و"العالم المادي الخارجي"، أي كل ما يُؤثِّر في حواسِّنا من مادة، و"المجتمع".

قد يُحيِّرني مشهد "المغناطيس يَجذب إليه برادة من الحديد بقوَّة غير مرئية"، فأتصوَّر خَلْقاً لهذا المعدن (المغناطيس) مشابهاً لـ "الخَلْق التوراتي للإنسان". قد أتصوَّر أنَّ المغناطيس خُلِقَ من "معدن يخلو من خاصِّية الجذب"، ثم قامت "القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة" بإدخال هذه الخاصِّية فيه، فدبَّت فيه "المغناطيسية".

هذا التصوُّر إنَّما ينبثق من "خَلَلٍ" في فَهْم العلاقة بين "الشيء" و"خواصِّه". إنَّ الشيء المجرَّد من خواصه (الجوهرية التي تميِّزه من غيره) لا وجود له، وإنَّ الخواص المجرَّدة من الشيء الذي يشتمل عليها لا وجود لها، فالمغناطيس المجرَّد من المغناطيسية لا وجود له، والمغناطيسية المجرَّدة من المغناطيس لا وجود لها.

وفي "الخواص"، نقول أيضا إنَّ بين "الشيء" و"خواصِّه" وحدة عضوية لا انفصام فيها، فـ "المادة الحيَّة" لا تُوْجَد إلا ومعها، وفيها، خواصُّها الجوهرية. جَرِّد "المغناطيس" من "خواصِّه الجوهرية"، فهل يبقى من وجود للمغناطيس ذاته؟! كذلك يكفي أن تُجرِّد "المادة الحيَّة" من خواصِّها الجوهرية حتى لا يبقى من وجود لهذه المادة.

القائلون بـ "القوَّة الميتافيزيقية الخالِقة" لا يُخالِفونكَ الرأي في أنَّ الدماغ البشري هو "مادة"، ولكنَّهم يفهمونه، كما يفهمون "المادة" في وجه عام، أي أنَّهم ينظرون إليه على أنَّه "مادة خاملة"، لا يمكنها أن تقوم، تلقائياً أو من تلقاء نفسها، بالعمل الذي تقوم به، فهي ليست سوى "أداة مادية" في "يد لا مادية خفيَّة"، اسمها "الروح"، فالدماغ البشري ليس أكثر من "قفاز" تلبسه هذه اليد!

"الروح" هي التي تأمر هذه "المادة"، أي الدماغ البشري، فتُطيع وتُنفِّذ. تقول لها إفعلي هذا فتفعل، ولا تفعلي هذا فلا تفعل!

فإذا أنا عطِشْتُ، فشربتُ الماء، فإنَّ عملي هذا هو نتيجة "أمر" أصدَرَتْهُ "الروح"، التي اتَّخذت "الدماغ" وسيلة مادية لنقل "الأمر" إليَّ، فنَفَّذْتُهُ إذ تناولتُ كأس الماء وشربت!

الدماغ البشري، في تصوُّرهم هذا، إنَّما هو "مادة" عاجزة عجزاً مطلقاً عن أن تقوم بما تقوم به من عمل ونشاط من دون ذلك "الأمر" الذي يجيئها من تلك "القوَّة اللا مادية الخفيَّة" التي اسمها "الروح".

الكائن المادي، مهما كان نوعه أو حجمه، إنَّما هو "واقع موضوعي". فهذا الكائن (القمر مثلاً) لا يُوْجَد "في داخل وعي" الإنسان، وإن وُجِدَت "صورته" في داخل هذا الوعي، كما أنَّ الوعي ليس بالقوَّة التي تجعل هذا الكائن موجوداً، أي "تَخْلِقه"، في خارج وعي الإنسان.

إنَّه موجود في خارج وعي الإنسان، وفي استقلال تام عن هذا الوعي، فهذا الكائن الذي شقَّ طريقاً له إلى أحاسيسنا، التي تنسخه وتصوِّره وتعكسه، إنَّما يُوجَد في خارج وعي الإنسان، وفي شكل مستقل عنه، ثمَّ نحس به عَبْر حواسنا، فندركه بعقولنا ونفهمه.

أَنْظُر إلى القمر، ثمَّ أغمِض عينيَّ، فأرى "صورة القمر" في ذهني (أتصوَّره). فهل القمر (لا صورته) يُوْجَد (بالفعل) في داخل ذهني، أو وعيي؟ كلاَّ لا يُوْجَد. وإذا لم يكن موجوداً في داخل وعيي فهل يكون وجوده (الفعلي) في خارج وعيي مرتبط بوعيي؟ هل أنَّ وجوده هذا قد خَلَقَهُ وعيي؟ كلاَّ لم يَخْلِقه.

إنَّ "المادي" هو كل ما يُوجَد موضوعياً، أي في خارج وعي الإنسان، ومستقلاًّ عنه. الوعي (مهما كان نوعه) لم يأتِ قَبْلَ المادة ليخلقها من ثمَّ. ولمَّا كانت الأرض قد وُجِدَت قَبْلَ ظهور الإنسان والكائنات الحيَّة عموماً بملايين السنين صار واضحاً أنَّ المادة والطبيعة موضوعيتان، مستقلتان عن الإنسان ووعيه، وأنَّ الوعي هو ذاته نتاج للتطور الطويل للعالم المادي، فالخاصِّية المشتركة بين كل الأشياء والظواهر (المادية) تكمن في كونها موجودة في خارج وعينا، ومستقلَّة عنه، ومنعكسة، أو يمكن أن تنعكس، فيه.

لقد نَظَرْتُ إلى هذا الشيء (المادي) الذي أمامي، ثمَّ أغمضتُ عينيَّ.. هل أستطيع أن "أراهُ"، الآن، حيث أغمضتُ عينيَّ؟ أجل أستطيع، ولكن هذه "الرؤية" ليست بالكاملة، فهناك جزء كبير من "تفاصيل" هذا الشيء لا "أراهُ" بـ "عينيَّ المغمضتين".

إنَّني في هذه الحال من "الرؤية" لا أرى الشيء ذاته، وإنَّما "أرى" صورته المثالية، أي صورته الموجودة في داخل وعيي. وهذه الصورة لا تشتمل، كما أوضحنا، على كل تفاصيل "أصلها"، أي على كل تفاصيل هذا الشيء الموجود وجوداً موضوعياً.

إنَّني "أرى" هذه الصورة المثالية، أي الموجودة في داخل وعيي فحسب. وعليه، أستطيع القول إنَّها "موجودة"، ولكن وجوداً غير موضوعي، وإنَّها "واقع"، ولكن واقعاً غير موضوعي.

إنَّها موجودة؛ ولكنَّها موجودة؛ لأنَّ "اصلها" موجود في الواقع الموضوعي، فلو كان غير موجود لاستحال وجودها في داخل وعيي. وغنيٌّ عن البيان أنَّ "أصلها"، الموجود في خارج وعيي، قد وُجِدَ قَبْلَها، وأنَّ أي تغيير قد يطرأ عليها لن يؤثِّر، على الإطلاق، في "أصلها"، الذي كل تغيير يطرأ عليه يؤثِّر فيها. فإذا طرأ أي تغيير على "الأصل"، ففتحتُ عينيَّ، ثم أغمضتُّهما، فلسوف "أرى" هذا التغيير الجديد في الصورة المثالية لـ "الأصل".

وهناك أشياء في الواقع الموضوعي أعجز تماماً عن رؤيتها بـ "العين المجرَّدة"، كجزيء الماء مثلاً، فكيف يمكنني، في هذه الحال، أن "أرى" صورها المثالية؟ الحل لهذه المشكلة يكمن في "التطور التكنولوجي"، الذي جاءنا بـ "المجهر الإلكتروني"، فتمكَّنا بفضله من أن نرى بعضاً منها، ومن أن "نرى"، بالتالي، صوره المثالية.

ونحن لا نملك، الآن، من هذه "التكنولوجيا"، أو من "العين الاصطناعية"، ما يسمح لنا برؤية أشياء (مادية) أصغر حجماً، ولكننا نرى بـ "العين المجرَّدة"، أو بـ "العين الاصطناعية"، ما يدلُّ على وجودها، أي ما يدلُّ على أنَّها موجودة وجوداً موضوعياً. فـ "الشيء" الموجود وجوداً موضوعياً إمَّا أن نراه مباشرةً (بـ "العين المجرَّدة"، أو بـ "العين الاصطناعية") وإمَّا أن نرى (من الأشياء) ما يدلُّ على وجوده الموضوعي ويؤكِّده.

إنَّني أرى، الآن، بـ "العين المجرَّدة" الآتي من الأشياء (والظواهر): كرة من الرصاص، قُمْتُ بإلقائها في إناء ممتلئ بالماء، فانسكب بعض من هذا الماء. لو أغمضتُ عينيَّ، بَعْدَ ذلك، فإنَّني أستطيع أن "أرى" صورة هذه العملية مع أشيائها، في داخل وعيي، أي أنَّني أستطيع رؤية صورتها المثالية الناقصة التفاصيل. عَبْر هذه العملية، وعَبْر غيرها من العمليات المشابهة، تمكَّن آرخميدس من اكتشاف "القانون" الآتي: إذا غُمِر جسم في سائل فإنَّه يفقد من وزنه بقدر وزن السائل المُزاح.

في هذه الطريقة نتوصَّل إلى اكتشاف "القوانين الموضوعية"، فتَشْغُل صورها المثالية حيِّزاً من وعينا. ولكَ أن تقارن، الآن، بين صورتين مثاليتين موجودتين في داخل وعيكَ: "صورة القمر"، مثلاً، و"صورة قانون آرخميدس"، مثلاً. في المقارنة، سترى أوجه التماثل، وأوجه الاختلاف، التي من أهمها هذا "التجريد" في "صورة قانون آرخميدس".

وفي داخل وعيي يُوجَد، أيضاً، صوراً مثالية ليس من أصول لها في الواقع الموضوعي، مثل صورة "عروس البحر"؛ ولكن حتى هذه الصور ما كان ممكناً أن تُوجَد في داخل وعيي لو لم تكن مؤلَّفة من "عناصر" لها أصول في الواقع الموضوعي. وهذه الصور إنَّما تشبه في عملية تركيبها أن تجيء بصور فوتوغرافية لأشياء عدة، ثم تقوم بتجزئة كل صورة بالمقص، ثم تأخذ جزءاً من كل صورة، ثم تُركِّبَ من هذه الأجزاء صورة جديدة، لن تَجِدَ، أبداً، أصلاً لها في الواقع الموضوعي، وإن كان لكل عنصر (أو جزء) منها أصل في هذا الواقع.

ولكن ما الفَرْق بين هذين الشيئين الماديين: "القمر" و"الطاولة"؟ "القمر" لم "أخْلِقهُ" أنا، ولم "يَخْلِقهُ" البشر، فقد وُجِدَ قَبْلَ وجودي، وقَبْلَ وجود البشر. أمَّا هذه "الطاولة" فقد قُمْتُ أنا بـ "خَلْقِها"، ولكنَّني لم "أخْلِقها" من "العدم"، أي من "لا شيء". لقد "خَلقْتُها" من أشياء مادية كانت هي، أو كانت عناصرها، موجودة قبلي، وقَبْلَ وجود البشر.

الطاولة، قَبْلَ أن "أخْلقها" كانت "فكرة" في رأسي، أي كانت "صورة مثالية" موجودة في داخل وعيي. ولكن هذه الصورة لم تتكوَّن في داخل وعيي إلا لأنَّ لعناصرها أصولا في الواقع الموضوعي.

الآن، وبمعونة هذه الصورة المثالية، قُمْتُ بـ "خَلْق" الطاولة. وهذا "الخَلْق" ليس من "العدم"، فـ "خَلْقي" للطاولة ليس سوى عملية تركيب مادي، فمِنْ أشياء، أو مِنْ عناصر، موجودة قبلي، وقَبْلَ وجود البشر، قُمْتُ بـ "تركيب" هذا الشيء الجديد، أي الطاولة.

في هذه الطريقة من تفاعل "الذات" و"الموضوع"، نقوم بـ "خَلْق" أشياء مادية في استمرار. و"الطاولة"، الآن، هي "واقع موضوعي". إنَّها، وبخلاف صورتها المثالية، موجودة في خارج وعيي، الذي مهما أحْدَثَ من تغيير في صورتها المثالية، لن يتمكَّن، على الإطلاق، من التأثير فيها، فكل تغيير واقعي يطرأ على الطاولة، من الآن وصاعداً، إنَّما هو نتيجة تبادلها التأثير المادي مع غيرها من الأشياء، التي قد يكون من بينها قواي المادية أنا.

إنَّ أحداً من ذوي "التفكير الموضوعي" لا يُشكِّك في "مادِّية" الدماغ البشري، فهذا التشكيك إنَّما نَجِدْهُ عند أولئك الذين يشكِّكون في "مادِّية" المادة، ويقولون بـ "جوهر روحي"، أو بـ "جوهر لا مادي"، يكمن في المادة، و يجعلها "حيَّة"!

و"الوعي (البشري)" إنَّما هو ثمرة "التفاعُل" بين هذا "العضو"، أي الدماغ، و"العالم المادي". وهذا "الوعي" يشبه ما ينعكس على "المرآة" من أشياء وأجسام، أي أنَّه يشبه "صورة" جسم في مرآة. ومن الأهميَّة بمكان أن نقول إنَّ المرآة تُريكَ ما تُريها فحسب، فـ "الجسم" الذي "لا تراهُ" المرآة لا يمكنها أن تُريكَ "صورته"، أي انعكاسه عليها.

لنفترض أنَّكَ نَظَرْتَ في "مرآة" فوَجَدْتَ فيها "صورة" منزل، فهل يعني ذلك أنَّ "المنزل ذاته" موجود في "المرآة"؟ كلا، لا يعني، فالموجود فيها إنَّما هو "صورته"، التي هي انعكاس المنزل على المرآة.

ما ينبغي لكَ استنتاجه عندما ترى هذا "الانعكاس" هو أنَّ "أصل الصورة"، أي "المنزل"، يجب أن يكون موجوداً "في خارج المرآة"، و"مستقلاً"، في وجوده، عن "صورته" في المرآة، فإذا تغيَّر "الأصل" تغيَّرت "الصورة".

وينبغي لكَ أن تستنتج، أيضاً، أنَّ كل ما هو موجود من "صُوَر" في المرآة يجب أن يكون موجوداً، في أُصوله، في "الواقع الموضوعي"، ولكن ليس كل ما هو موجود في "الواقع الموضوعي" يجب أن يكون منعكساً على "المرآة". في "المرآة الدماغية" تُوْجَدُ، مثلاً، صورة "برتقالة"، فأنا نَظَرْتُ إلى "هذه" البرتقالة، ثمَّ أغمضتُ عينيَّ، فرأيتُ "صورتها" في "مرآة دماغي".

بـ "عيني المجرَّدة" استطعتُ "تمييز" البرتقالة. وبها، أيضاً، أستطيع تمييز أجسام لا يقلُّ مقاسها عن عُشر المليمتر. ولتمييز الأجسام الأصغر لا بدَّ من استخدام "عدسة مُكبِّرة"، أو "مجهر"، أو ما شابه ذلك من "الأجهزة البصرية".

ولكن، ثمَّة "أسباب موضوعية" تحول بيننا وبين صُنْع "عين اصطناعية (أو تكنولوجية)" يمكننا من خلالها أن نرى "عالَم الذرَّة"، وأن نرى منه "الجسيمات"، "والمتناهي في الصِغَر" من المادة، مثل "الإلكترون" أو "الكوارك".

يصبح في مقدورنا أن نرى تلك الأشياء، التي لا يمكننا، أبداً، أن نراها بـ "العين المجرَّدة"، بفضل "التكبير لصُوَرِها". على أنَّ هذا "التكبير" له "حدٌّ أقصى" لا تسمح لنا "طبيعة الضوء"، بتخطِّيه. ونحن نَعْلَم أنَّ "الرؤية" مستحيلة من دون الضوء الصادِر عن "الجسيم"، أو عن "المتناهي في الصِغَر" من المادة.

في سعينا إلى رؤية "الجسيمات"، بحجومها المختلفة، نصطدم بـ "عقبتين موضوعيتين"، يتعذَّر، إن لم يستحل، تخطِّيهما، فـ "التكبير" له "حدٌّ أقصى"، و"الوسائل" التي نستخدمها (في تكبير صورة الجسيم) ليست بالوسائل المعدومة الأثر في طبيعة وخواص "الجسيم"، فيؤدِّي ذلك إلى اختلاف في الجسيم ذاته، وفي صورته بالتالي.

كل ما في الرأس البشرية من أفكار ومعتقدات، من حقائق وأوهام، من صُوَر ذهنية، أكانت "واقعية" أم "خيالية"، ما كان لها أن تُوْجَد لو لم تكن لها، أو لعناصرها ومكوِّناتها، "أُصول مادية"، فـ "المادي"، وحده، هو الذي يُصوَّر تصويراً مثالياً في الدماغ البشري. إنَّ الذي لا وجود له، أو لعناصره، في العالم المادي لا يمكنه، أبداً، أن يشغل "حيِّزاً فكرياً" في الدماغ.

لـ "المنزل" صورة مثالية في رأسِكَ؛ لأنَّه شيء موجود في العالم المادي. ولـ "عروس البحر"، التي ليس لها من وجود في العالم المادي، صورة مثالية في رأسِكَ؛ لأنَّ لعناصرها ومكوِّناتها وجودا في العالم المادي. أمَّا الشيء الذي ليس بـ "مادة"، في أصله أو عناصره، فلن يكون له من صورة فكرية أو مثالية في رأسِكَ.

هل تستطيع أن تتصوَّر "العدم"؟ كلاَّ، إنَّكَ لا تستطيع ذلك أبداً؛ لأنَّه "عدم"، أي لأنَّه "شيء" لا وجود له في العالم المادي!

هل تستطيع أن تتصوَّر "كائناً ميتافيزيقياً، مثالياً، لا مادِّياً"؟ كلاَّ، إنَّكَ لا تستطيع ذلك أبداً، ولو توهَّمتَ أنَّكَ تستطيع، فهذا "الكائن" تستطيع أن تُصوِّره، في دماغكَ، تصويراً مثالياً. ولكن يكفي أن تمعن النظر، ولو قليلاً، في صورته الذهنية حتى ترى أنَّ صورته تتألَّف من عناصر لها أُصول في العالم المادي. في صورته المثالية، سيَظْهَرُ في صفات وخواص "مادية"، فليس في "مخزون" الدماغ البشري من "الصور الذهنية" إلا ما يؤكِّد مادية العالم، و"مادية" المادة!

الوعي إنَّما يرتبط بعمليات فيزيولوجية مادية محدَّدة؛ ولكن لا يجوز النظر إليه على أنَّه شيء مادي، فالفكر ليس شيئاً، وتستحيل رؤيته أو تصويره. الفكر هو الصورة المثالية (لا المادية) للأشياء والظواهر المادية. الفكر ليس بالصورة الفوتوغرافية للعالم المادي، فـ "المثالي" ليس سوى "المادي" منعكساً في الذهن الإنساني، ومحوَّلاً فيه.

والوعي، أو التفكير، لا يلازم المادة كلها، فهو ليس من خواص الطبيعة كلها. إنَّه يلازم، فحسب، "المادة المفكِّرة"، أي المخ الإنساني. المادة كلها لا تلازمها إلا خاصِّية "الانعكاس"، أي المقدرة على أن تستجيب في طريقة محدَّدة للمؤثِّرات الخارجية.

الشيء لا ينشأ إلا في بيئة طبيعية محدَّدة، فيخضع، بالتالي، لمؤثِّرات خارجية محدَّدة. إنَّه ينشأ أو يُوْجَد في "بيئة طبيعية محدَّدة"، وليس في أي بيئة، فالبيئة يجب أن تكون بخصائص تسمح له بالعيش فيها. هذا الشيء لا يُوْجَد، أو لا يستمر في الوجود، إلا إذا كانت لديه المقدرة على أن يستجيب في طريقة محدَّدة للمؤثِّرات البيئية التي يخضع لها. هذه الاستجابة تُتَرْجَم بتبدُّلات معيَّنة تطرأ على الشيء، فنرى في هذه التبدُّلات انعكاساً للمؤثِّر الخارجي في الشيء. الشيء يستجيب للمؤثِّرات الخارجية في طريقة محدَّدة حتى يتمكَّن من الحفاظ على وجوده، فاستجابته ليست سوى طريقة يتكيَّف بها الشيء مع تأثير هذه المؤثِّرات الخارجية. ولكن مقدرة الشيء على التكيُّف، ومهما اتَّسعت، تظلُّ محدودة، فإذا ما تأثَّر بمؤثِّر خارجي غير عادي، فإنَّ التبدُّلات التي ستطرأ عليه، عندئذٍ، ستفضي إلى زواله.

إنَّهم يقولون: إذا كان الفكر مثالياً، وليس شيئاً، ولا يمكن العثور عليه في المخِّ البشريِّ، فإنَّ ذلك يعني أنَّه غير مرتبط بالمادة ( بالمخِّ البشريِّ). ويقولون إنَّه موجود مستقلاًّ عنها. ويقولون إنَّه ليس مستقلاًّ عن المادة، فحسب، وإنَّما يخلقها.

لنتأمَّل في العلاقة بين شيء ما وصورته، أو انعكاسه، في مرآة. هل أنَّ صورته في المرآة هي التي تَخْلِقه أو تَخْلِق خصائصه؟!

إنَّ صورته تتبدَّل مع تبدُّله هو، فلا ينعكس في المرآة إلا الشيء الموجود في خارجها والمستقل في وجوده عنها. كل ما ينعكس في المرآة يجب أن يكون موجوداً في خارجها، وفي استقلال عنها. وهكذا لا يُوْجَد في ذهن الإنسان إلا الأشياء الموجودة في خارجه وفي استقلال عنه.

كل شيء أستطيع تصوُّره في ذهني (في وعيي) إنَّما هو "واقع موضوعي". قدرتي على تصوُّره هي، في ذاتها، دليل على أنَّه "واقع موضوعي"، فليس في رأس الإنسان من صور (ذهنية، مثالية) سوى صور "الواقع الموضوعي".. صور مثالية للعالم المادي.

وثمَّة أشياء كثيرة، أو خصائص لأشياء، لا تنسخها أو تُصوِّرها أو تعكسها أحاسيسنا، فليس كل ما في "الواقع الموضوعي" يمكن أن تُصوِّره أحاسيسنا. ولكن ليس ثمَّة شيء ينعكس في مرآة الذهن البشري (إحساس أو مفهوم..) لا يكون، في أصله ومنبعه، جزءاً من "الواقع الموضوعي".

"الصورة الذهنية (أو المثالية)" يمكن أن تكون "مشوََّهة"؛ لأنَّ مرآة الذهن "مشوَّهة". حتى أكثر الصور الذهنية، أو المثالية، تشوُّها تعود، في عناصرها ومكوِّناتها، إلى "الواقع الموضوعي".. إلى العالم المادي. هذه الصورة لا تعكس، في كلِّيتها، "الواقع الموضوعي"، وإنَّما في عناصرها ومكوِّناتها فحسب.

الشيء المادي إنما يُترجَم، عَبْر مُتَرْجِم يدعى "الدماغ البشري"، بلغة أخرى هي الصور الحسِّية والعقلية. اللون الأصفر للتفاحة ينعكس في مرآة الدماغ البشري، أي يظهر هذا اللون، في الدماغ، في شكل "إحساس".. إحساس باللون الأصفر (صورة حسِّية). ولكن لون التفاحة الأصفر ليس، في ذاته، إحساس. "الضوء" (أشعة الضوء) المنبعث من التفاحة الصفراء اللون ينتقل، فيصيب "الشبكية"، فتُنْتِج الشبكية الإحساس باللون الأصفر.

الدماغ ليس دائماً يجيد تصوير "الموضوع" إذ قد يسيئه. شخصان ينظران إلى شيء، أو مشهد، فيريانه رؤيتين مختلفتين. السبب هو أنَّ الإنسان يرى بعين تكمن فيها عين أخرى هي "عين الخبرة والوعي"، فكلٌّ من الشاعر والفنان والفلكي يرى "القمر" رؤية مختلفة.

"الشيء" مادة، و"الدماغ" مادة، ولكن "صورة الشيء" ليست مادة. عمليتان ماديتان، إحداهما تحدث في خارج الدماغ، والأخرى في داخله. أمَّا "الانعكاس" فليس مادياً. إنَّه انعكاس للمادة.

وصور الأشياء في الوعي على أنواع: صور لأشياء موجودة بالفعل في الواقع. وصور لأشياء لا وجود لها، البتة، في الواقع.. لم تُوْجَد من قَبْل، ولن تُوجَد أبداً؛ ولكن عناصرها موجودة في الواقع. وصور لأشياء لا وجود لها، الآن، في الواقع، ولكن هذه الأشياء يمكن أن تُوْجَد مستقبلاً. هذه الصور يبتدعها عقل الإنسان بوحي من حقائق واقعة. وصور لأشياء لا وجود لها، الآن، في الواقع، ولكنَّها كانت موجودة من قَبْل، فزالت واندثرت. ومن خلال ما بقي لها من آثار في الواقع يقوم عقل الإنسان بابتداع صورها.

كيف يستخدم الإنسان وعيه في التفاعل المادي مع الطبيعة؟ عندما يتعرَّض سلك معدني، في أحد طرفيه، للحرارة فإنَّ درجة حرارته ترتفع، ثمَّ يتمدَّد، ثمَّ ينصهر. لو تخيَّلنا أنَّ هذا السلك يستطيع لدى تعرُّضه للتسخين أن يحرِّك طرفه الآخر ليضعه في ماء بارد لكانت النتيجة هي أن يقل كثيراً تأثُّره بالتسخين. لقد كافح السلك تأثير التسخين فيه بأن عرَّض نفسه للتأثير المعاكس للماء البارد.

بما يشبه هذه الطريقة يستخدم الإنسان وعيه في التفاعل المادي مع الطبيعة. الإنسان بوعيه إنَّما يستخدم قوى الطبيعة، أو قوى من الطبيعة، في مكافحة تأثير عوامل طبيعية معيَّنة فيه، أو في تسهيل أو تسريع تأثير عوامل طبيعية أخرى فيه. هذا التفاعل يفضي إلى "نتيجة مادية ملموسة" لها "أسباب مادية ملموسة".

قد نَصْنع أو نَخْلِق هذا الشيء أو ذاك (في سياق التفاعل بين "الذات" و"الموضوع") ولكن هذا الشيء المصنوع أو المخلوق يظل كائناً مادياً لا يَدْخُل في تكوينه أي عنصر "لا مادي"، فإذا ما صَنَعْتُ أو خَلَقْتُ هذا الشيء بمعونة "فكرة" في رأسي فهذا لا يعني، ويجب ألا يعني، أنَّ عنصراً "لا مادياً" قد دخل في تكوينه.

وعي الإنسان الذي "خَلَقَ" هذا الشيء (المنزل مثلاً) إنَّما هو "خاصِّية لا مادية الماهيَّة" للدماغ البشري، المادي الماهيَّة. بفضل هذا الوعي (أو هذه الخاصِّية اللامادية) تتفاعل المادة وقواها مثل أي تفاعل مادي آخر. ويكون هذا التفاعل، في مثال " خَلْقِ المنزل"، بين كل العناصر المادية الداخلة في تكوينه، بما فيها جسم الإنسان وقواه. و"الخلل" الذي يمكن أن يفسد بناء المنزل إنَّما يُعبِّر عن خلل في "الفكرة (فكرة بناء المنزل)" جعلها غير متَّفِقَة، تماماً أو بما فيه الكفاية، مع "قوانين موضوعية" ينبغي لهذه الفكرة أن تتَّفِقَ وتتوافق معها حتى نُوَفَّق في "خَلْقِ المنزل"، فإذا أُنْجِزت هذه المهمة في نجاح فلا حاجة، البتة، إلى التفتيش في داخل مكوِّنات هذا "المخلوق" (المنزل) عن "عنصر لا مادي".

وإنَّه العبث بعينه أن ننفق الجهد والوقت في البحث عن عنصر "لا مادي" يَدْخُل في تكوين "الكوارك" أو "الإلكترون" أو "الطاقة" أو "المجال" أو "البيضة الكونية" أو عمق "الثقب الأسود" Singularity.

ما هو "المنزل"؟ في الجواب عن هذا السؤال يكمن "مفهوم" المنزل. في "الواقع" لا يُوْجَد إلا هذا المنزل أو ذاك، أي المنزل "المحدَّد"، فالمنزل "المجرَّد" أو "المنزل في وجه عام" لا وجود له في الواقع. من خلال معرفة "السمات الجوهرية العامة" الملازمة لكل المنازل "المحدَّدة" نتوصَّل إلى صوغ "مفهوم" المنزل.

ممثِّلو "المثالية الموضوعية" يعتقدون بأنَّ "مفهوم" المنزل يُوْجَد مستقلاًّ عن المنزل "المحدَّد" أو المنازل "المحدَّدة". أكثر من ذلك، إنَّهم يعتقدون بأنَّ هذا المفهوم هو الذي "خَلَقَ" المنازل "المحدَّدة".

كل هذه "الأشياء المحدَّدة" التي نعرفها أو اكتشفنا وجودها تشترك في خاصِّية كبرى مهمة هي "وجودها الموضوعي"، فهي لا تُوْجَد في داخل أي وعي وإنَّما في خارجه، ولم يَخْلِقها أي وعي، أي أنَّها مستقلة، في وجودها وفعلها وتفاعلها، عنه. وهي "الواقع الموضوعي" الذي شقَّ طريقاً له إلى أحاسيسنا، التي تنسخه وتصوِّره وتعكسه. وبفضل صورها الحسِّية والعقلية نتفاعل معها، فنؤثِّر فيها ونتأثَّر، مكتسبين، بالتالي، القدرة على الانتقال من "التفسير" إلى "التغيير".